تفسير الآية 23 من سورة فصلت من القرآن الكريم، تتضمن تفاسير لعدة مفسرين مشهورين مثل تفسير المختصر, تفسير المُيسّر, تفسير السعدي, تفسير البغوي, تفسير ابن كثير, تفسير الطبري.
وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
سورة فصلت : 23القول في تأويل وتفسير قوله تعالى وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، لأشهر المفسرين نضع بين أيديكم تفسير الآية 23 من سورة فصلت بالمصحف الشريف:
وذلكم الظن السيئ الذي ظننتم بربكم أهلككم، فأصبحتم بسبب ذلك من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة.
وما كنتم تَسْتَخْفون عند ارتكابكم المعاصي؛ خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم يوم القيامة، ولكن ظننتم بارتكابكم المعاصي أن الله لا يعلم كثيرًا من أعمالكم التي تعصون الله بها. وذلكم ظنكم السيِّئ الذي ظننتموه بربكم أهلككم، فأوردكم النار، فأصبحتم اليوم من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.
{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ } الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. { أَرْدَاكُمْ } أي: أهلككم { فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم، في العذاب، الذي لا يفتر عنهم ساعة:
قوله تعالى : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) أهلككم ، أي : ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون - أرداكم . قال ابن عباس : طرحكم في النار ، ( فأصبحتم من الخاسرين . ) ثم أخبر عن حالهم فقال :
قال معمر : وتلا الحسن : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قال الله أنا مع عبدي عند ظنه بي ، وأنا معه إذا دعاني " ثم افتر الحسن ينظر في هذا فقال : ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم ، فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل . ثم قال : قال الله تعالى : ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ) إلى قوله : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين )
وقال الإمام أحمد : حدثنا النضر بن إسماعيل القاص - وهو أبو المغيرة - حدثنا ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن ، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله ، فقال الله تعالى : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من قبائح أعمالكم ومساويها, هو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم, يعني أهلككم. يقال منه: أردى فلانا كذا وكذا: إذا أهلكه, وردي هو: إذا هلك, فهو يردى ردى; ومنه قول الأعشى:
أفِـي الطَّـوْفِ خِـفْتِ عَـليَّ الـرَّدَى
وكَــمْ مِــنْ ردًى أهْلَـهُ لَـمْ يَـرِمْ (1)
يعني: وكم من هالك أهله لم يرم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) قال: أهلككم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: تلا الحسن: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم; فأما المؤمن فأحسن بالله الظن, فأحسن العمل; وأما الكافر والمنافق, فأساءا الظن فأساءا العمل, قال ربكم: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ... حتى بلغ : ( الخاسرين ) . قال معمر: وحدثني رجل: أنه يؤمر برجل إلى النار, فيلتفت فيقول: يا ربّ ما كان هذا ظني بك, قال: وما كان ظنك بي؟ قال: كان ظني أن تغفر لي ولا تعذّبني, قال: فإني عند ظنك بي".
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: الظنّ ظنان, فظنّ منج, وظنّ مُرْدٍ قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قال إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ , وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا, وقال ها هنا: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) هذا ظنّ مُرْدٍ.
وقوله: وقال الكافرون إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول ويروي ذلك عن ربه: " عَبْدِي عِنْدَ ظنِّه بِي, وأنا مَعَهُ إذَا دَعانِي". وموضع قوله: ( ذَلِكُمْ ) رفع بقوله ظنكم. وإذا كان ذلك كذلك, كان قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) في موضع نصب بمعنى: مرديا لكم. وقد يُحتمل أن يكون في موضع رفع بالاستئناف, بمعنى: مردٍ لكم, كما قال: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً في قراءة من قرأه بالرفع. فمعنى الكلام: هذا الظنّ الذي ظننتم بربكم من أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم, لأنكم من أجل هذا الظنّ اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها, وركبتم ما نهاكم الله عنه, فأهلككم ذلك وأرداكم. يقول: فأصبحتم اليوم من الهالكين, قد غبنتم ببيعكم منازلكم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار.
------------------------
الهوامش:
(1) هذا البيت للأعشى يخاطب ابنته . وقد سبق القول فيه مفصلا في الجزء ( 23 : 62 ) وموضع الشاهد هنا هو ( الردى ) بمعنى الهلاك . وهو مصدر ردي ( كفرح ) يردى ردى . ومنه قوله تعالى :" وذلكم ظنكم الذي ظننتم الذي بربكم أرداكم" .