تفسير الآية 36 من سورة الزمر من القرآن الكريم، تتضمن تفاسير لعدة مفسرين مشهورين مثل تفسير المختصر, تفسير المُيسّر, تفسير السعدي, تفسير البغوي, تفسير ابن كثير, تفسير الطبري.
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
سورة الزمر : 36القول في تأويل وتفسير قوله تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، لأشهر المفسرين نضع بين أيديكم تفسير الآية 36 من سورة الزمر بالمصحف الشريف:
أليس الله بكافٍ عبده محمدًا صلّى الله عليه وسلّم أَمْر دينه ودنياه، ودافِعٍ عدوّه عنه؟! بلى، إنه لكافيه، ويخوفونك - أيها الرسول - من جهلهم وسفاهتهم، من الأصنام التي يعبدونها من دون الله أن تنالك بسوء، ومن يخذله الله ولم يوفقه للهداية فما له من هاد يهديه ويوفقه.
أليس الله بكاف عبده محمدًا وعيد المشركين وكيدهم من أن ينالوه بسوء؟ بلى إنه سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه مَن أراده بسوء، ويخوِّفونك -أيها الرسول- بآلهتهم التي زعموا أنها ستؤذيك. ومن يخذله الله فيضله عن طريق الحق، فما له مِن هاد يهديه إليه.
{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن اللّه تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء.
{ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد أن تنالك بسوء، وهذا من غيهم وضلالهم.
{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }
قوله عز وجل : ( أليس الله بكاف عبده ) ؟ يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي : " عباده " بالجمع يعني : الأنبياء عليهم السلام ، قصدهم قومهم بالسوء كما قال : " وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه " ( غافر - 5 ) فكفاهم الله شر من عاداهم ، ( ويخوفونك بالذين من دونه ) وذلك أنهم خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - معرة الأوثان . وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) .
يقول تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ) - وقرأ بعضهم : " عباده " - يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه .
وقال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي ، حدثنا أبو هانئ ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي ، عن فضالة بن عبيد الأنصاري ; أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ، وقنع به " .
ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح ، عن أبي هانئ الخولاني ، به . وقال الترمذي : صحيح .
( ويخوفونك بالذين من دونه ) يعني : المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دونه ; جهلا منهم وضلالا ; ولهذا قال تعالى : ( ومن يضلل الله فما له من هاد)
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)
اختلفت القرّاء في قراءة: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء أهل الكوفة: " أليس الله بكاف عباده " على الجماع, بمعنى: أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوّفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة, وبعض قرّاء الكوفة: ( بِكَافٍ عَبْدَهُ ) على التوحيد, بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار. فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحة مَعْنَيَيْهَا واستفاضة القراءة بهما في قَرَأَةِ الأمصار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) يقول: محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) قال: بلى, والله ليكفينه الله ويعزّه وينصره كما وعده.
وقوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء, ببراءتك منها, وعيبك لها, والله كافيك ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) الآلهة, قال: " بعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خالد بن الوليد إلى شعب بسُقام (2) ليكسر العزّى, فقال سادنها, وهو قيمها: يا خالد أنا أحذّركها, إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء, فمشى إليها خالد بالفأس فهشّم أنفها ".
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول: بآلهتهم التي كانوا يعبدون.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) قال: يخوّفونك بآلهتهم التي من دونه.
وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله فيضلَّه عن طريق الحق وسبيل الرشد, فما له سواه من مرشد ومسدّد إلى طريق الحقّ, ومُوفِّق للإيمان بالله, وتصديق رسوله, والعمل بطاعته .
------------------------
الهوامش:
(2) سقام كغراب : واد بالحجاز ، حمته قريش للعزى ، يضاهئون به حرم الكعبة . ا هـ من معجم ياقوت .