تفسير الآية 31 من سورة النحل من القرآن الكريم، تتضمن تفاسير لعدة مفسرين مشهورين مثل تفسير المختصر, تفسير المُيسّر, تفسير السعدي, تفسير البغوي, تفسير ابن كثير, تفسير الطبري.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
سورة النحل : 31القول في تأويل وتفسير قوله تعالى جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ، لأشهر المفسرين نضع بين أيديكم تفسير الآية 31 من سورة النحل بالمصحف الشريف:
جنات إقامة واستقرار يدخلونها، تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، لهم في هذه الجنات ما تشتهي أنفسهم من المأكل والمشرب وغيرهما، بمثل هذا الجزاء الذي يجزي به المتقين من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم يجزي المتقين من الأمم السابقة.
جنات إقامة لهم، يستقرون فيها، لا يخرجون منها أبدًا، تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم، بمثل هذا الجزاء الطيب يجزي الله أهل خشيته وتقواه الذين تقبض الملائكةُ أرواحَهم، وقلوبُهم طاهرة من الكفر، تقول الملائكة لهم: سلام عليكم، تحية خاصة لكم وسلامة من كل آفة، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون من الإيمان بالله والانقياد لأمره.
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ْ} أي: مهما تمنته أنفسهم وتعلقت به إرادتهم حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم.
فتبارك الذي لا نهاية لكرمه، ولا حد لجوده الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته، وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت، وعظمة الملك والملكوت، { كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ْ} لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات المتعلقة بالقلب والبدن واللسان من حقه وحق عباده، وترك ما نهاهم الله عنه.
ثم فسرها فقال : ( جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين )
وقوله : ( جنات عدن ) بدل من [ قوله ] : ( دار المتقين ) أي : لهم في [ الدار ] الآخرة ( جنات عدن ) أي : إقامة يدخلونها ( تجري من تحتها الأنهار ) أي : بين أشجارها وقصورها ، ( لهم فيها ما يشاءون ) كما قال تعالى : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) [ الزخرف : 71 ] وفي الحديث : " إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم ، حتى إن منهم لمن يقول : أمطرينا كواعب أترابا ، فيكون ذلك " .
( كذلك يجزي الله المتقين ) أي : كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله .
يعني تعالى ذكره بقوله (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بساتين للمقام، وقد بيَّنا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته ( يَدْخُلُونَها) يقول: يدخلون جنات عدن ، وفي رفع جنات أوجه ثلاث: أحدها: أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر: بالعائد من الذكر في قوله ( يَدْخُلُونَها) والثالث: على أن يكون خبر النعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم: ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون ( يَدْخُلُونَها) في موضع حال، كما يقال: نعم الدار دار تسكنها أنت ، وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل يدخلونها ، من صلة جنات عدن ، وقوله ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ) يقول: للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم ، وتلذّ أعينهم ( كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ) يقول: كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.