وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا

سورة الكهف : 48

القول في تأويل وتفسير قوله تعالى وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، لأشهر المفسرين نضع بين أيديكم تفسير الآية 48 من سورة الكهف بالمصحف الشريف:

تفسير المختصر سورة الكهف الآية 48

وعرض الناس على ربك صفوفًا فيحاسبهم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فُرَادى حفاة عراة غُرْلًا كما خلقناكم أول مرة، بل زعمتم أنكم لن تبعثوا، وأنّا لن نجعل لكم زمانًا ومكانًا نجازيكم فيه على أعمالكم.

تفسير المُيسّر سورة الكهف الآية 48

وعُرِضوا جميعًا على ربك مصطَفِّين لا يُحجب منهم أحد، لقد بعثناكم، وجئتم إلينا فرادى لا مال معكم ولا ولد، كما خلقناكم أول مرة، بل ظننتم أن لن نجعل لكم موعدًا نبعثكم فيه، ونجازيكم على أعمالكم.

تفسير السعدي سورة الكهف الآية 48

فيعرضون عليه صفا ليستعرضهم وينظر في أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل، الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي: بلا مال، ولا أهل، ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال، التي عملوها، والمكاسب في الخير والشر، التي كسبوها كما قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } وقال هنا، مخاطبا للمنكرين للبعث، وقد شاهدوه عيانا: { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } أي: أنكرتم الجزاء على الأعمال، ووعد الله ووعيده، فها قد رأيتموه وذقتموه

تفسير البغوي سورة الكهف الآية 48

( وعرضوا على ربك صفا ) أي صفا صفا فوجا فوجا لا أنهم صف واحد وقيل : قياما ثم يقال لهم يعني الكفار ( ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) يعني أحياء وقيل : فرادى كما ذكر في سورة الأنعام وقيل : غرلا .
( بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) يوم القيامة يقوله لمنكري البعث .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهب عن ابن طاوس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان بن المغيرة بن النعمان حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم محشورون حفاة عراة غرلا " ثم قرأ " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ( الأنبياء - 104 ) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم " إلى قوله : " العزيز الحكيم " ( المائدة 117 - 118 ) .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي [ أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي ] أخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن المغلس ببغداد حدثنا هارون بن إسحاق الهمذاني أنبأنا أبو خالد الأحمر عن حاتم بن أبي صغير عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال : " عراة حفاة " قالت : قلت والنساء؟ قال : " والنساء " قالت : قلت يا رسول الله نستحي قال : " يا عائشة الأمر أشد من ذلك أن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض " .

تفسير ابن كثير سورة الكهف الآية 48

وقوله : ( وعرضوا على ربك صفا ) يحتمل أن يكون المراد : أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا ، كما قال تعالى : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) [ النبإ : 38 ] ويحتمل أنهم يقومون صفوفا صفوفا ، كما قال : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) [ الفجر : 22 ]
وقوله : ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) هذا تقريع للمنكرين للمعاد ، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد ؛ ولهذا قال مخاطبا لهم : ( بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) أي : ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم ، ولا أن هذا كائن .

تفسير الطبري سورة الكهف الآية 48

القول في تأويل قوله : ( وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ) يقول عزّ ذكره: وعُرض الخلق على ربك يا محمد صفا.
( لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) يقول عزّ ذكره : يقال لهم إذ عُرضوا على الله: لقد جئتمونا أيها الناس أحياء كهيئتكهم حين خلقناكم أوَّل مرة ، وحذف يقال من الكلام لمعرفة السامعين بأنه مراد في الكلام.
وقوله: ( بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ) وهذا الكلام خرج مخرج الخبر عن خطاب الله به الجميع، والمراد منه الخصوص، وذلك أنه قد يرد القيامة خلق من الأنبياء والرسل، والمؤمنين بالله ورسله وبالبعث ، ومعلوم أنه لا يقال يومئذ لمن وردها من أهل التصديق بوعد الله في الدنيا، وأهل اليقين فيها بقيام الساعة، بل زعمتم أن لن نجعل لكم البعث بعد الممات، والحشر إلى القيامة موعدا، وأن ذلك إنما يقال لمن كان في الدنيا مكذّبا بالبعث وقيام الساعة.
------------------------
الهوامش:
(1) هذان بيتان من مشطور الرجز ، من ثلاثة أبيات أوردها ( اللسان : عرض ) والثالث قبلهما ، وهو * يـا ليـل أسقاك البريق الوامض *
وهي لأبي محمد الفقعسي قاله يخاطب امرأة خطبها إلى نفسها ، ورغبها في أن تنكحه ، فقال : هل لك رغبة في مئة من الإبل أو أكثر من ذلك لأن الهجمة أولها الأربعون ، إلى ما زدت ، يجعلها لها مهرا . قال : وفيه تقديم وتأخير ، والمعنى هل لك في مئة من الإبل أو أكثر ، يسئر منها قابضها الذي يسوقها ، أي يبقى ، لأنه لا يقدر على سوقها ، لكثرتها وقوتها ، لأنها تفرق عليه . ثم قال والعارض منك عائض ، أي المعطي بذل بضعك أي معطي بدل بضعك عرضا عائض ، أي آخذ عوضا منك بالتزويج ، يكون كفاء لما عرض منك . ويقال عضت أعاض : إذا اعتضت عوضا ، ( بكسر العين في الماضي ) وعضت أعوض ( بضم عين الماضي ) : إذا عوضت عوضا : أي دفعت : فقوله عائض من عضت ( بالكسر ) لا من عضت ( بالضم ) . ومن روى " يغدر " : أراد يترك ، من قولهم غادرت الشيء . قال ابن بري : والذي في شعره : " والعائض منك عائض " : أي والعوض منك عوض ، كما تقول : الهبة منك هبة ، أي لها موقع . ا هـ - قلت : في رواية اللسان لهذا الرجز " يسئر " أي يبقى ، في موضع " يغدر " .